اللــــهم إني أستودعك قلبي .. فلا تجعل به أحدًا غيرك

السبت، 12 نوفمبر، 2011

كلام يشبه الصمت ..


أحيانًا تموت الكلمات وتمرض الجمل وتبقى الأحرف عاجزة عن التعبير .. فتظل

المبعثرات مكتومة لا تجد لغة لتعبر عنها .. ويهفو القلم لكتابة جملة واحدة يفهمها

غيره فلا يكتب  إلا الفلسفات الغامضة والعبارات المعقدة .. فمن أين يأتي بالوضوح

وقد تداخلت الأشكال .. واختلطت الألوان .. من أين يأتي النور وفي الداخل ظلمات

بعضها فوق بعض .. من أين يأتي الدفء في وقت ليس به إلا السقيع ..!! سيغدوا

الحبر متقطعًا .. ويظل القلم في عجزه المرير .. ولكنه لم يعتد الصمت سيتكلم حتى

وإن لم يفهمه أحد .. سيخرج ما بداخله بحالته العشوائية الهلامية .. ليسأل في كلام

يشبه الصمت ... يسأل عن بلدٍ أحبها فؤاده وحلم بها منذ الصغر .. يتعجب كيف أن

بقلبه كل هذا الحب .. وكيف أنها تستحق كل هذا الحب وقد تناسها الجميع .. !!

ليسأل عن طفلةٍ رضيعة لم ترتكب إثمًا واحدًا في حياتها .. كيف تدخل في قلبها

رصاصة ملعونة من يد لا تعرف إلا ارتكاب الآثام .. !! ليتسائل عن إنسان رأى أخيه

يُقتل أمام عينه فأدار له ظهره وأخذ يبحث بضراوة الوحوش عن لقمة عيشٍ يأكلها

أو عيشة هنية يرتع بها .. لينسى أنه خُلق لمبدأ خُلق لفكرة خُلق لرسالة .. فيموت

المبدأ والفكرة والرسالة تحت أقدام متطلباته الحيوانية .. نسى أن هذه الطفلة بيوم

ستأتي له في منامه .. ستأتي وقد ملأت الدماء وجهها وتمسك يده وتريه دماءًا

عليها وتقول له .. هذه دمائي انظر آثارها على يدك لقد قتلتني .. فيصيح في وجهها

لم أقتلك بل هو من قتلكِ .. فتقول قتلني مرة .. وأنت قتلتني ألف مرة .. قتلتني عندما

بعت قضيتي .. ونمت عن نصرتي .. وفرطت في عقيدتك التي أمرتك أن إذا سمعت

صراخي من أقصى الأرض تأتي مهرولًا لتلبيته من أدناها ..

سيسأل القلم.. كيف غدا بكل هذا الغموض والتعقيد بالنسبة لمن حوله !! يتسائل لماذا

لم تعد التصرفات مفهومة .. والقرارات غريبة .. والحديث مبهمًا .. لماذا يصمت

عندما يرى نفسه مظلومًا يريد أن يصرخ ويعلو صوته .. أنا لست غريبًا ..  لست

غامضًا .. ولكن كيف يسمع البشر صرخة مكتومة .. !! كيف يفهموا ألغازًا معقدة
 
طرحها ومضى .. وظلت الإجابة بداخله .. ربما تفشيها الأيام فتغدو في وضوحها

كقرص الشمس .. كما هي بنفسه .. وربما تمضي الأيام ويمضي البشر دون أن

يعرفوا الجواب !!

يتسائل القلم عن دعوة في الأرض كانت تُبذل في سبيلها الأرواح .. لماذا يتهاون بها

من حملوها .. !! وكيف يعيشون حياتهم بلا مبالاة وهي تحتاج إليهم !! لماذا ندُر أن

يرى الليل عيونًا ساهرة لنصرتها .. وجنوبًا تتجافى عن المضاجع للتفكير في

مشكلاتها !! لماذا صارت الهمم متدنية والقلوب مريضة والأهواء قائدًا بعدما كانت

منقادة !!
يتسائل عن شيطان أحمق قال عنه إلهه إن كيده ضعيفًا .. يتسائل كيف يسيطر عليهم

بهذا الشكل ؟؟ كيف يقودهم مثل الدواب إلى المكان الذي يشاء !! ألهذه الدرجة ضعفوا

فستطاع بكيده الضعيف أن يسيطر عليهم !!


يتسائل القلم عن طغاة جبابرة .. تنام أعينهم وقد ظلموا بينما تصحو عين المظلوم

تدعو عليهم في جوف الليل .. فتخترق تلك الدعوات الحجب لتصل ويأتيها الجواب

( والله لأنصرنكِ ولو بعد حين ) .. وتنتصر تلك الدعوة لتنصر المظلوم وتجعل من

الظالم عبرة لمن يعتبر .. وبالرغم من هذا يأتي جبارًا آخر ليتكبر ويطغى وقد رأى

نهايته مجسدة أمام عينه من قبل ..

يتعجب القلم من هذه الأم .. حملت طفلها وهنًا على وهن .. لم تنم الليالي لخدمته ..

احتضنته بقلبها الحنون .. ورمت طموحاتها أسفل قدميه .. لتقول له أنت من أحيا

لأجله .. فحين تنظر إلى عيناها وقد ملأتها اللهفة عليه .. تقف مصدومًا عندما ترى

القسوة بادرة في عينه تجاهها .. !!

يتعجب .. من ذلك الأب الذي يسعى ليلًا نهارًا لتلبية متطلبات أبناءه .. يعطيك النقود

لتصرفها بكل سهولة ولا تدري أنه ذاق المرارة ليحصل عليها .. وربما اعترته

الأمراض بسببها .. يتعجب كيف لا تحتمله في لحظات غضبه !!

يتعجب القلم من قلب تداخلت به الهموم وأثقلته فعجز عن التعبير عما يحمله وأصبح

مثل مريض الحمى الذي يهذي بكلمات غريبة عندما ترتفع درجة حرارته .